موريتانيا: من وهج المحظرة إلى ضوء الغاز.. حضارة لا تُباع/بقلم : احمدو محمد احمد إياهي
الأحد, 30 أغسطس 2026 23:40

ليست الأمم أرقاماً في جداول النمو، ولا مصانع تُقام على عجل. الأمم ذاكرةٌ تُورَّث، وروحٌ تُصان، وقصةٌ تُروى للأجيال. ومن أراد أن يستشرف مستقبل موريتانيا، فلا يُفتِّش في باطن الأرض عن نفط أو غاز فحسب، بل ليُصغِ إلى خرير المحيط، وإلى همس الرمال، وإلى ترتيل المحاظر في جنح الليل.

إن موريتانيا، هذه العروس التي توشحت بعقد من صحراء ومحيط، تقف اليوم على عتبة تاريخية. فبين يديها ثروات باطنية: نفط وغاز ومعادن تُبشِّر بغد اقتصادي. وبين جنبيها ثروات ظاهرة: تراث وثقافة وطبيعة تُبشِّر بغد حضاري. والحكمة كل الحكمة أن لا نرى بينهما خصاماً، بل تكاملاً. فالغاز يُضيء المدينة، والثقافة تُضيء الوجدان. والمعدن يبني الجسر، والتراث يبني الهوية.

لم نبدأ الطريق من عدم. لقد ورثنا مكتسبات، وخطت الدولة خطوات مشكورة في صيانتها، وشهد بها العالم قبلنا. ففي عام 1996م، أنصفت منظمة اليونسكو التاريخ حين أدرجت مدن شنقيط ولاتة وادان وتشيّت على لائحة التراث العالمي. لم تفعل ذلك شفقة، بل اعترافاً بأن الصحراء أنجبت حضارة. واليوم، صار مهرجان "مدائن التراث" السنوي عرساً وطنياً يجوب هذه المدن، ويعيد إليها نبض الحياة. وتقوم وزارة الثقافة بالتعاون مع شركاء دوليين بأعمال ترميم وصيانة للبيوت التاريخية والمساجد العتيقة، وهو جهد يستحق الثناء والدعم والاستمرار.

وهنا نقف وقفة إجلال عند مكتسب آخر لا يقل أهمية. فقد شهدت السنوات الأخيرة جهوداً مباركة في صيانة المكتبات الأهلية وحفظ المخطوطات الشنقيطية. فقد اضطلعت المكتبة الوطنية بدور محوري في جمع المخطوطات وتصنيفها ورقمنتها، صوناً لها من عوامل التلف والنسيان. كما احتضنت بعض المحاظر الكبرى مراكز متخصصة لترميم المخطوطات وصيانتها. ولا يفوتنا أن نثمن دور المعهد الموريتاني للبحث العلمي، ذلك الصرح الوطني الذي يضطلع بمهام البحث والتوثيق وحماية التراث المادي وغير المادي، ويشرف على دراسات ميدانية في مدن التراث والمحميات الطبيعية، ويسهم في تكوين باحثين موريتانيين قادرين على قراءة تراثهم بأدوات العصر. هذه الخطوات إنقاذ لذاكرة الأمة. ولكن الطموح يجب أن يتجاوزها: نريد قاعدة بيانات رقمية وطنية موحدة، ونريد مركزاً عالمياً للمخطوطات الموريتانية يكون قبلة للباحثين من مشارق الأرض ومغاربها.

وفي عام 1989م، توجت اليونسكو جهود الحفاظ بإدراج منتزه حوض أركين الوطني ضمن التراث العالمي. وهو اليوم ملاذ لملايين الطيور المهاجرة، ومرآة تعكس جمال ساحلنا الممتد على 754 كلم. وصيانته تكون بسياحة بيئية رشيدة، وبحماية ثروتنا السمكية من جور الاستنزاف.

وفوق هذه المكتسبات، تزخر بلادنا بمقدرات لو أحسنا نحتها، صارت تماثيل من ذهب. إن مدننا الأربع ليست أطلالاً نبكيها. هي كتب مفتوحة. كل حجر فيها سطر، وكل زقاق حكمة. إنها دليل ساطع على أن الإنسان الموريتاني إذا عزم، روّض القسوة فصارت عمراناً. ولُقِّبت بلادنا بـ "بلاد المليون شاعر" فما كذب اللقب. فالشعر الحساني ديوان السياسة والأخلاق، والمحظرة مصنع العلماء، والكرم فريضة اجتماعية. وزاد جمال لوحتنا أن ألوانها متعددة. فموريتانيا بحمد الله مُلتقى الحضارتين، ومَعبر القوافل، وفسيفساء الإبداع العربي الإفريقي الأصيل، يتعانق فيها البيان العربي مع إيقاع البولار، وسمو السوننكي، وعذوبة الولوف، فينشد الجميع لحناً واحداً عنوانه: الوحدة الوطنية.

ومن "عين الصحراء" في وادان، تلك الدائرة الجيولوجية التي تراها الأقمار الصناعية فتقف إجلالاً، إلى واحات النخيل الصامدة في آدرار وتكانت، إلى نهر السنغال شريان الجنوب وخصبه، تمتد طبيعة لا تُنهب، بل يُحتفى بها. ونعم، إلى جانب هذا كله، تبتسم لنا الأرض بثروات النفط والغاز والذهب والحديد. وهي نعمة نشكر الله عليها. ولكن العاقل من جعل المال خادماً للهوية، لا العكس. فالنفط يبني مصنعاً، والثقافة تبني أمة.

إن صيانة المكتسبات واستثمار المقدرات معادلة تحتاج إلى ثلاثة أضلاع. الضلع الأول: اقتصاد المعنى. فلنحول الثقافة من "بند ترف" إلى "قطاع إنتاج". لنجعل من الملحفة الموريتانية ماركة عالمية، ومن الفضة حرفة مصدرة، ومن مهرجان مدائن التراث بورصة للصناعات الإبداعية. فالثقافة اليوم تشكل ما يزيد على 3% من الاقتصاد العالمي. أفنتركها لغيرنا؟

والضلع الثاني: إعلام يصنع الرواية. أيها القلم، أنت الرمح. لا تكتب عن الخراب فقط. اكتب عن شنقيط كما تكتب عن الأزمة. صوِّر جمال أركين كما تصور الشارع. مهمتنا أن نقول للعالم: ها هي موريتانيا، بلد الطاقة النظيفة، وبلد العلم القديم.

والضلع الثالث: تعليم وبحث يُصالحنا مع المرآة. لا نهضة لجيل يجهل "ابن شنقيط" ويعرف لاعب كرة أجنبياً. يجب أن تُدرَّس مدائننا في مدارسنا، وأن يُفاخر طالبنا بمحظرته كما يُفاخر بتقنيته. ويجب أن نُفعِّل دور المعهد الموريتاني للبحث العلمي أكثر، ليكون جسراً بين المحظرة والجامعة، وبين المخطوطة والمختبر.

أيها الموريتانيون، لنُنصف أنفسنا أولاً: لقد أنجزنا. أنجزنا باعتراف العالم بمدننا الأربع. وأنجزنا بمهرجان يحيها كل عام. وأنجزنا بصيانة مكتباتنا وإنقاذ مخطوطاتنا من الضياع. وأنجزنا بتأسيس المعهد الموريتاني للبحث العلمي ليكون حارساً على تراثنا وطبيعتنا. وأنجزنا بحماية محمياتنا الطبيعية. هذه مكتسبات تاج على رؤوسنا يجب أن نصونه ونفخر به.

ولكن الإنصاف يقتضي أن نقول: ما تحقق هو البداية، لا النهاية. فالواجب اليوم مضاعف: صيانة لما كان، وترقية لما سيكون. فلنصُن مدائننا بالترميم والبنية التحتية. ولنصُن مكتباتنا ومخطوطاتنا بالرقمنة والمراكز المتخصصة. ولنصُن معهدنا بدعمه وتمويله ليكون منارة بحث إقليمية. ولنصُن طبيعتنا بقوانين صارمة وسياحة مسؤولة.

وفي الوقت ذاته، لِنرقَ بمقدراتنا التراثية والثقافية الموريتانية إلى مصاف الصناعة. لنجعل من الشعر اقتصاداً، ومن الحرف هوية، ومن التاريخ وجهة. إن المقدرات التراثية والثقافية والطبيعية ليست نقيضاً للنفط والغاز، بل هي بوصلة لهما. هي التي تمنع المال من أن يتحول إلى فساد، وتمنع التقدم من أن يتحول إلى اغتراب.

لقد ورثنا مكتسبات فصُنّاها. وها نحن نبني فوقها. فليكن عهدنا مع الأجيال القادمة: موريتانيا التي نريدها.. من مدائن الحجر إلى حقول الغاز.. بهوية لا تُباع، وبذاكرة لا تُمحى، وبعلم لا ينضب. فهل نحن على قدر العهد؟ .

 

بقلم: أحمدو محمد أحمد إياهي -

رئيس تحرير الموقع وكالة وطنى للأنباء المستقلة

 

رتل القرآن الكريم

إعلان

إعلان

فيديو

الجريدة

إعلان