مقالات
أصداء «لاتريبون»: الإهانة/ محمد فؤاد برادة
السبت, 12 سبتمبر 2026 11:35

ثمة قيود لا تُرى، لكنها تترك في النفس من آثارها ما لا تتركه السلاسل المرئية. فالإهانة، حين تتجاوز زلّة اللسان لتصبح سلوكًا متكررًا ومقصودًا، لا تعود مجرد كلمة جارحة، بل تتحول إلى وسيلة لإخضاع الإنسان وإرباك وعيه بذاته.

ومن هنا أعود إلى وضعية سبق أن تناولتُها تحت عنوان «منظومة القهر»، محاولًا الكشف عن أحد أشكال الإخضاع الإنساني المعاصر؛ ذلك الذي يتسلّل إلى النفس عبر الضغط والإرباك، حتى يجعل الإنسان أسيرًا لواقع لم يختره، وخاضعًا لقواعد لم يضعها. وحين يبلغ هذا القهر عتبته الحرجة، قد تتراكم مشاعر الإحباط الاجتماعي والاقتصادي، بل والثقافي أيضًا، حتى تتحول إلى غضب جماعي يفتح الطريق أمام التمرّد.

ولكن ماذا يحدث عندما تصدر الإهانة عن طرف مهيمن، أو عن شخص يمارس عليك نوعًا من السلطة، أو حتى عمّن ظننتَ يومًا أنه قريب منك؟ وهل تظل الإهانة، في مثل هذه الحال، مجرد إساءة عابرة، أم تتحول إلى أداة خفية لاختبار قدرتك على الصمود ومحاولة إخضاع إرادتك؟

كان أحدهم قد اقترح عليّ، في سياق آخر، المشاركة في لعبة غريبة، صاغ قواعدها بتلاعب لافت بالكلمات. وكان المعنى المستتر في حديثه يقول: إن استطعتَ أن تتحمل ما أقوله، حققتَ مكسبًا يظلّ معلقًا بين الواقع والخيال؛ وإن عجزتَ عن الصمود، فقد خسرتَ اللعبة.

غير أن السؤال الذي تبادر إلى ذهني لم يكن: كيف أحقق ذلك المكسب؟ بل: لماذا أقبل أصلًا بالمشاركة في لعبة وضع غيري قواعدها، وحدّد لي مسبقًا معنى الفوز والخسارة فيها؟

بدت اللعبة مسلّيةً لبعضهم، وغريبةً لبعضهم الآخر، لكنها كانت بالنسبة إليّ محاولةً لفرض واقع يختلط فيه الحقيقي بالمتخيَّل. لذلك وجدتُ نفسي مضطرًا إلى رفض العرض، من غير أن أستفزّ قائد اللعبة؛ ذلك الذي يتنقل بين الحقيقة والخيال، ويجعل الحدود بينهما غائمةً كلما اقتضت مصلحته ذلك.

وجدتُني أمام مفارقة مربكة: أن أكون خاضعًا للعبة لا أقبل المشاركة فيها، وأن أتحمل آثارها مع أنني لم أوافق على قواعدها. فهل يكفي رفض اللعبة للتحرر منها؟ أم إن الإنسان قد يجد نفسه أحيانًا داخل منظومة من الضغوط، حتى وإن أعلن صراحةً أنه لا ينتمي إليها؟

هنا يتشكل اللغز بين القبول والرفض، وبين الانخراط والمقاومة. فإذا كنتُ قد فهمتُ مقصد محاوري على الوجه الصحيح، فقد كان ينظر إلى هذه اللعبة بوصفها منظومةً مركبة تختبر قدرة الإنسان على التحكم في ذاته. غير أن هذا الاختبار لا يجري في فضاء محايد؛ فهو خاضع لإرادة قائد اللعبة، ولموقعه الاجتماعي، ولقدرته على تحريك الآخرين وتوجيه الوقائع بما يخدم الغاية التي يريدها.

ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: إذا وجّه إليك شخص، رجلًا كان أو امرأة، إهانةً، فما رد الفعل الذي يحفظ لك توازنك وكرامتك؟ وهل تستطيع أن تظل سيدًا لموقفك، أم تنجرف نحو الاستجابة التي أُعدّت لك سلفًا؟

تبدو القاعدة بسيطة في ظاهرها: تُوضَع مدةً معينة تحت الاختبار، وتُفتعل من حولك توترات مع أشخاص تعرفهم وآخرين تجهلهم. إنها أشبه بكاميرا خفية يدرك ضحيتها، أو يكاد يدرك، أنه موضوع مراقبة وتجربة؛ لكنه يعجز عن الفصل بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع، وبين ما يصدر بعفوية وما تحركه يد خفية.

وما أقسى الإهانة حين تصدر عن شخص أحببناه أو وثقنا به؛ فهي لا تجرح كرامتنا فحسب، بل تصيب أيضًا الصورة التي بنيناها عنه، وتهزّ المعنى الذي منحناه لعلاقتنا به. ومع ذلك، إذا أدركنا أن الأمر مجرد لعبة غايتها إثارة رد فعل محسوب، فقد يصبح التجاهل فعلًا من أفعال المقاومة، لا مظهرًا من مظاهر الضعف.

ولكن ماذا لو لم تعد اللعبة عابرة؟ ماذا لو أصبحت حياة الإنسان، في لحظة ما، خاضعةً لمنطق الضغط المدبّر والهيمنة؟ وما قدرته، حينئذ، على حماية عالمه الداخلي من العبث؟ وهل يظل قادرًا على اختيار موقفه، أم يصبح مجرد رد فعل داخل سيناريو كتبه الآخرون؟

تبدو الإجابة واضحة، وإن لم تكن مريحة.

يجد الإنسان نفسه أمام مسارين متكاملين: أولهما أن يسمو فوق الإيحاءات التي تبدو عشوائية والاستفزازات المتعاقبة، وألّا يمنحها ردَّ الفعل الذي تتغذّى منه سلطة مصدرها. وثانيهما أن يتبيّن أن ما يظهر مشتّتًا وعابرًا قد يخفي وراءه قصدًا واحدًا؛ فهذه الإيحاءات، على ما بينها من تباعد ظاهري، قد تنساب جميعها نحو غاية محددة: إما تفكيك الذات المستهدَفة واستنزافها نفسيًا ومعنويًا، وإما تثبيت نفوذ الطرف المهيمن، الذي لا يرى في الآخرين، في كثير من الأحيان، سوى أدوات تتحرك داخل مداره.

فالإهانة ليست دائمًا كلمةً عابرة تنتهي بانتهاء لحظة التلفظ بها؛ فقد تتحول إلى تقنية للسيطرة، يُختبر من خلالها صبر الإنسان، وتُقاس حدود مقاومته، ويُدفع تدريجيًا إلى الشك في نفسه وفي إدراكه للواقع. وكلما استجاب وفق السيناريو المرسوم له، ازدادت سلطة قائد اللعبة عليه؛ إذ لا تكمن الهيمنة في فرض الفعل وحده، بل في امتلاك القدرة على تشكيل ردود أفعال الآخرين.

أما التحرر، فيبدأ حين يدرك الإنسان بنية اللعبة، ويرفض أن ينظر إلى كل واقعة بمعزل عن سياقها العام. فما يبدو سلسلةً من المصادفات قد يكون نسقًا من الضغوط، وما يظهر كلامًا عابرًا قد يكون حلقةً في مسار طويل من الإخضاع. وعندئذ يصبح ضبط النفس دفاعًا عن الحرية الداخلية، وتغدو اللامبالاة الواعية وسيلةً لتجريد الطرف المهيمن من أهم أسلحته: قدرته على التحكم في مشاعرنا وصياغة ردود أفعالنا.

وهذا، إلى حدّ بعيد، ما يحدث في حياتنا الواقعية؛ إذ كثيرًا ما نعيش داخل ألعاب لم نخترها، ونُطالَب بالامتثال لقواعد لم نضعها، ثم يُقال لنا إننا أحرار في الاختيار.

محمد فؤاد برادة

نُشر بتاريخ 21 فبراير 2012
المصدر: Barrada.unblog، نقلًا عن موقع Cridem.@

 
الفكرة والمرأة/ الأستاذ محمد فؤاد برادة
الجمعة, 11 سبتمبر 2026 02:12

في لحظة الجِدّ تختفي؛ لأنها بطبعها غامضة. أهي فكرة، أهي امرأة، أم إحساس فريد يتخذ هيئة امرأة؟ ولكن أين يكمن الخلل؟ أهو في الفكرة ذاتها، أم في محاولتنا القبض عليها بعدما أدركنا لعبة النسيان والتخفّي؟

وما الذي يختفي تحديدًا؟ أهي الفكرة، أم تلك الحالة الداخلية التي أنجبتها؟ لعل الفكرة لا تختفي تمامًا، وإنما تفقد وهجها الأول عندما نحاول إخضاعها لمنطق الكتابة وترتيبها في كلمات. فهي ليست فكرة عادية نستدعيها متى شئنا، بل شيء ينبع من أعماق الذات، ويتسلّل في لحظات خاصة؛ قد يولد وسط الصخب، وقد ينبثق من سكون عميق.

وهل تكون الفكرة أحيانًا امرأةً تتبدّل أحوالها بعفوية؛ تنهار للحظة، ثم تلملم شتاتها وتستعيد توازنها؟ أم أن المرأة ليست سوى صورة للفكرة نفسها: حضورٌ يقترب حين نكفّ عن مطاردته، ويبتعد كلما ظننّا أننا أمسكنا به؟
محمد فؤاد برادة

 
الزواج بين حرية الاختيار ومسؤولية الاستمرار: أيُّ توازن ممكن؟/ ا. محمد فؤاد برادة
الأربعاء, 09 سبتمبر 2026 15:28

ثمة تأملات نكتبها ثم نظن أننا تجاوزناها، غير أنها تظل كامنة في مكان ما من الذاكرة، تنتظر لحظة العودة إليها. وحين نقرؤها بعد أعوام، لا نعود إلى الكلمات وحدها، بل نعود إلى ذواتنا كما كانت يوم كتبناها، فنرى ما أبقاه الزمن فينا، وما غيّره من نظرتنا إلى الحياة.

هكذا عدت، بعد أربعة عشر عامًا، إلى تأملات كنت قد كتبتها عن الزواج. لم أبحث فيها عن أجوبة قديمة بقدر ما وجدتني أستعيد أسئلة لم تفقد راهنيتها: هل تغيّر الزواج منذ ذلك الحين، أم تغيّرت نظرتي إليه؟ وهل ما حسبناه يومها أزمة عابرة كان، في حقيقته، بداية تحول اجتماعي عميق لم تكن ملامحه قد اكتملت بعد؟

وهل ازدادت قدرتنا على اختيار شريك الحياة بقدر ما نمت قدرتنا على تحمّل تبعات هذا الاختيار؟ وهل قادتنا الحرية إلى علاقات أكثر نضجًا واستقرارًا، أم أنها كشفت هشاشةً كانت سلطة الأسرة وثقل التقاليد يحجبانها؟

لم يكن السؤال الذي طرحتُه في ذلك الحين مفاضلة سطحية بين الزواج التقليدي والزواج الحديث، ولا دعوة إلى إدانة حرية الاختيار أو تمجيد سلطة الجماعة. فهل تكمن المشكلة حقًّا فيمن يختار شريك الحياة: الأسرة أم الفرد؟ أم أن السؤال الأعمق يبدأ بعد الاختيار: كيف نحمي ما اخترناه، وكيف نحوّل الرغبة إلى مشروع قادر على البقاء؟

لقد منح التحول الاجتماعي الإنسان مساحة أوسع لاختيار شريك حياته، وفتح أمام المرأة آفاقًا أرحب للاستقلال، وحرّر الزواج من صور كثيرة من الإكراه. ولكن هل تتحول هذه المكاسب تلقائيًّا إلى سكينة واستقرار؟ وهل تكفي حرية الاختيار وحدها لبناء علاقة تصمد أمام تقلّبات الزمن؟ أم أن الحرية تحتاج إلى وعي يوازيها، فيقرنها بالمسؤولية، ويوازن بين الاستقلال والشراكة، وينقل الحب من حرارة الانفعال إلى رسوخ الالتزام؟

وهل هشاشة بعض الزيجات المعاصرة دليل على أن الماضي كان أكثر سعادة؟ وهل استمرار الزواج زمنًا طويلًا يعني، بالضرورة، نجاحه؟ ألم تكن بعض العلاقات تستمر تحت ضغط العائلة، أو الخوف من المجتمع، أو انعدام البدائل؟ وفي المقابل، هل كل طلاق علامة على التحرر والنضج؟ أم قد يكون، في بعض الأحيان، تعبيرًا عن العجز عن الصبر والحوار ومراجعة الذات؟

بأي ميزان، إذن، نقيس نجاح الزواج؟ أبعدد السنوات التي يمضيها الزوجان تحت سقف واحد، أم بقدر ما تصونه العلاقة من كرامتهما، وما تبنيه بينهما من ثقة، وما تمنحه لهما ولأبنائهما من طمأنينة وأمان؟ وهل يجوز أن نعدّ كل زواج طويل ناجحًا، وكل زواج انتهى فاشلًا، من دون أن نسأل عما أخفاه الاستمرار من ألم، أو عما أنقذه الانفصال من كرامة؟

وهل الزواج مجرد اختيار لشخص نحبه؟ أم إنه، في جوهره، اختيار لطريقة في العيش، ولنمط من المسؤولية، ولمشروع يقتضي تفاهمًا متجددًا حول الأدوار والرغبات والحدود؟ وكيف يستطيع الإنسان الانتقال من «أنا» المكتفية بذاتها إلى «نحن» لا تمحو الفرد، بل تمنحه معنًى أعمق داخل علاقة تقوم على الأخذ والعطاء؟

وحين يتعثر الزواج، هل يكون الزواج بأخرى حلًّا، أم قد يصبح مشكلة تضاف إلى المشكلة الأولى؟ وهل يعالج أصل الخلاف، أم يؤجله ويضاعف آثاره؟ وهل يكفي أن يكون التعدد مباحًا ليغدو، في كل حالة، خيارًا حكيمًا؟ أم أن الحكمة تقتضي النظر في العدل والقدرة وتحمل المسؤولية وصون كرامة جميع الأطراف؟ وكم من إنسان بحث عن مخرج من أزمة، فإذا به يفتح أبوابًا لأزمات لم تكن في الحسبان؟

وبعد أربعة عشر عامًا، أجدني أعود إلى السؤال نفسه: هل نحن أمام أزمة في مؤسسة الزواج، أم أمام أزمة في فهمنا لمعنى الالتزام؟ وهل تغيرت المؤسسة بوتيرة أسرع من تطور الوعي القادر على مواكبة هذا التغير؟ وهل امتلك الإنسان المعاصر حرية الاختيار قبل أن يمتلك الثقافة التي تحمي اختياره من التسرع والهشاشة؟

فالزواج لا يصبح قويًّا لمجرد أن الأسرة اختارت الشريك، ولا ينهار حتمًا لأن الفرد اختاره بنفسه. وإنما تبدأ قوته أو هشاشته مما يفعله الزوجان بعد الاختيار: فهل يحوّلان الرغبة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفاهم، والتفاهم إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى معنًى مشترك؟

أليس هنا، تحديدًا، يكمن الفرق بين زواج يبدأ بحفل، وزواج يستمر بوصفه بناءً إنسانيًّا يتجدد كل يوم؟
محمد فؤاد برادة
المصدر: قراءة استرجاعية في مقالَيَّ المنشورين ضمن «Les Échos de La Tribune»: الجزء الثالث، بتاريخ 12 مايو 2012؛ والجزء الرابع، بتاريخ 10 يونيو 2012.

 
النور/ بقلم محمد فؤاد برادة
الاثنين, 07 سبتمبر 2026 02:01

أريد أن أكتب، وأريدكم أن تقرؤوا… أن تقرؤوا، ولكن ماذا بعد؟
أن يكون الإنسان إنسانًا يعني أن يتخلّى من أجل الآخر، وأن يعلم، يعلم أنّه خُلق من أجل ما لا يدركه البعض، لكن ماذا بعد؟ هل فهمتم؟ فهمتُم، ولكن ماذا بعد؟ الكلُّ سراب… سراب، ما عدا من يردّ؟ ما أجمله! يتجلّى في كل شيء، في كل ما هو كائن. هل فهمتم؟ ما أجمله… ما أجمله!
محمد فؤاد برادة

 
من رجال مروا من هنا: محمد ولد هباب/ أ. محمد الامين ولد لكويري
الاثنين, 31 أغسطس 2026 12:37

وفاء ببعض حق أفاضل السلف، وتبيانا لما خلفوا من الأثر الجميل والذكر الحسن، وحفظا لشيء من سيرهم المشرفة، والجديرة بأن تروى وتحفظ؛ أكتب هذه السطور:

نقطة مباركة من المجال الجغرافي الطويل، والممتد من منطقتي ظهر انوللان وخط الدامي جنوبا، إلى تيرس شمالا؛ وبداية العقد الثاني من القرن الماضي، هما ظرفا ميلاد محمد ولد ولد هباب لأبيه أحمد ولد كاشف ولد ابراهيم ولد اعل ولد هباب، ولأمه مريم منت اعل سالم.

نشأ محمد ولد هباب في أحضان أسرة توارثت خلال الكرم كابرا عن كابر، وفي عشيرة شهد لها الجميع بشتى خصال الكرم؛ من نجدة المظلوم وإعانة المحتاج ونصرة الحق والشجاعة التي شهد لهم بها ألد أعدائهم، إذ نرى الرائد الفرنسي فرير جاه يصرح بذلك في مذكراته، والحق ما شهدت به الأعداء...

في هذا الوسط وفي هذه البيئة نشأ صاحبنا وترعرع، فكان لهما التأثير البالغ في بناء شخصيته، حيث نشأ محمد ولد هباب وهو يرى ما عليه قومه من خصال الأكارم كالشجاعة والنبل والنجدة وإغاثة الملهوف ونصرة الحق والتضحية في سبيله، ويروى له الشيء ذاته عن أسلافه الماجدين، فكان صاحبنا امتدادا لهذا

التفاصيل
 
المقدرات التراثية والثقافية والطبيعية فى موريتانيا: من وهج المحظرة إلى ضوء الغاز /بقلم : احمدو محمد احمد إياهي
الأحد, 30 أغسطس 2026 23:40

ليست الأمم أرقاماً في جداول النمو، ولا مصانع تُقام على عجل. الأمم ذاكرةٌ تُورَّث، وروحٌ تُصان، وقصةٌ تُروى للأجيال. ومن أراد أن يستشرف مستقبل موريتانيا، فلا يفتش في باطن الأرض عن نفط أو غاز فحسب، بل ليصغِ إلى خرير المحيط، وإلى همس الرمال، وإلى ترتيل المحاظر في جنح الليل.

ومن هذه الرؤية يمكن قراءة موريتانيا اليوم: بلد تتسع أمامه فرص اقتصادية جديدة، لكنه يحمل في داخله ثروات أقدم من آبار الغاز. ثروات صنعتها المعرفة، وحفظتها الذاكرة، وشهدت عليها المدن القديمة، وتناقلتها الأجيال في الشعر والموسيقى والحرف والمعارف، واحتضنتها الصحراء والسواحل والمجالات البحرية.

فالثروة لا تختصر فيما يُستخرج من باطن الأرض أو البحر؛ فهناك ثروات أخرى لا تُقاس بالبراميل والأطنان: الإنسان، والمعرفة، والثقافة، والتراث، والطبيعة. وهي مقدرات راكمتها أجيال متعاقبة، ويمكن أن تصبح جزءاً من اقتصاد المستقبل إذا انتقلنا من مجرد الاحتفاء بها إلى صونها وإدارتها، وإتاحة المجال لها لإنتاج قيمة جديدة.

وفي مقدمة هذا الرصيد تأتي المحظرة، التي ظلت قروناً مدرسةً للعلم وحافظةً للمعرفة في البيئة الصحراوية. فيها دُرِّس القرآن وعلومه، والفقه والحديث واللغة، وحُفظ الشعر والأدب، ونشأ علماء وفقهاء ولغويون وأدباء. ولم تكن المحظرة مجرد مكان للتلقي، بل كانت نظاماً مجتمعياً لنقل المعرفة بين الأجيال، وجزءاً أصيلاً من تكوين الشخصية الثقافية والعلمية للمجتمع الموريتاني.

ولذلك فإن إدراج المحظرة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2023 يتجاوز معنى التكريم؛ فهو اعتراف بقيمة تجربة معرفية ارتبطت بتاريخ المجتمع وذاكرته.

لكن الاعتراف الدولي لا يكفي. فقيمة المحظرة الحقيقية تبدأ حين تتحول من موضوع للفخر إلى مصدر للإلهام. وما تحتاجه اليوم هو التوثيق والبحث والرقمنة، وربط تراثها العلمي بوسائل التعليم الحديثة، حتى تبقى المعرفة التي حملتها قادرة على مخاطبة أجيال جديدة.

وإذا كانت المحظرة تحفظ ذاكرة العلم، فإن المدن القديمة تحفظ ذاكرة المكان. فشنقيط ووادان وتيشيت وولاتة لم تكن مجرد محطات في الصحراء، بل مراكز للتجارة والعلم والثقافة، نشأت على طرق القوافل، وربطت البلاد بفضاءات واسعة من إفريقيا والعالم الإسلامي. وقد أُدرجت المدن الأربع ضمن قائمة التراث العالمي عام 1996.

غير أن المدينة التاريخية لا تحيا بالحجارة وحدها؛ فهي تحتاج إلى سكانها، وحرفها، ومكتباتها، وأسواقها، وذاكرتها اليومية. ومن هنا فإن حماية هذه المدن لا ينبغي أن تنفصل عن التنمية المحلية؛ فالسياحة الثقافية، ودعم الحرف، وإحياء المكتبات، وتحسين الخدمات، وترميم المباني، وإشراك السكان، كلها وسائل لحماية التراث من أن يتحول إلى صورة جميلة بلا حياة.

فالترميم يحفظ البناء، لكن التنمية تحفظ الحياة.

ومن ذاكرة المكان إلى ذاكرة المكتوب، تأتي المخطوطات بوصفها وجهاً آخر لهذا الرصيد الحضاري. ففي خزائن الأسر والمكتبات الخاصة صفحات تحمل جوانب من تاريخ العلم والفكر في البلاد، وتكشف عن رصيد معرفي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الفهرسة والدراسة.

غير أن المخطوط ثروة هشة؛ ولذلك لا يكفي حفظه في خزانة، بل يحتاج إلى الترميم والتوثيق والرقمنة، حتى يصبح متاحاً للباحثين والجامعات والأجيال الجديدة، وتُصان أصوله من التلف ومخاطر التداول المتكرر.

وإذا كانت المحظرة والمخطوط والمدن القديمة تحفظ جوانب من الذاكرة، فإن الثقافة تحفظ روحها الحية. فهي أوسع من أن تُختزل في المحظرة أو المخطوط أو المدينة؛ إنها الشعر والموسيقى والحكاية والخط العربي والحرف والمعارف المتوارثة، وهي جميعاً مكونات حية للهوية. وإذا أُحسن التعامل معها، فإنها تستطيع أن تتجاوز حدود المناسبات والمهرجانات، لتدخل مجالات التعليم والصناعات الإبداعية والسياحة والاقتصاد الرقمي.

وهنا يأتي الشباب بوصفه الحلقة التي تصل الماضي بالمستقبل. فهو ليس متلقياً للتراث فحسب، بل يستطيع أن يكون شريكاً في تجديده. فالحرفة التقليدية يمكن أن تصبح مشروعاً، والشعر محتوى رقمياً، والموسيقى صناعة ثقافية، والمعرفة المتوارثة مجالاً للبحث والتعليم. فالتراث الذي يجد طريقه إلى الجيل الجديد لا يبقى حبيس الماضي، بل يكتسب فرصة أخرى للحياة.

ولا تكتمل صورة الثروة الموريتانية من دون الطبيعة، فهي بدورها رصيد وطني يجمع بين القيمة البيئية والاقتصادية. فالصحراء والسواحل والمجال البحري والمحميات والتنوع البيئي مقدرات وطنية لا تقل قيمة عن الموارد المستخرجة. ويأتي منتزه حوض آرغين الوطني مثالاً بارزاً على هذه الثروة، وقد أُدرج على قائمة التراث العالمي عام 1989.

وهنا يصبح الحفاظ على البيئة جزءاً من التفكير في التنمية، لا عائقاً أمامها. فالسياحة البيئية، والبحث العلمي، والصيد المستدام، والاستغلال الرشيد للموارد، يمكن أن تفتح مجالات اقتصادية جديدة، شرط أن تُدار بمنطق الاستدامة لا بمنطق الاستنزاف.

وبعد هذه الثروات الممتدة في الإنسان والمكان والمعرفة والطبيعة، يأتي الغاز بوصفه أحدث حلقات هذه القصة. ففي أبريل 2025 شُحنت أول حمولة من الغاز الطبيعي المسال من المرحلة الأولى لمشروع «السلحفاة آحميم الكبير» المشترك بين موريتانيا والسنغال، لتدخل البلاد مرحلة اقتصادية جديدة، محمّلة بفرص وتحديات في آن واحد.

لكن الغاز، مهما بلغت أهميته، يظل مورداً قابلاً للنضوب. أما الإنسان والمعرفة والثقافة والطبيعة، فتزداد قيمتها كلما أُحسن الاستثمار فيها.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ماذا ستفعل موريتانيا بعائدات الغاز؟

ربما لا تكمن الإجابة في حجم العائدات وحده، وإنما في الأثر الذي ستتركه. فإذا أسهمت في تعليم أفضل، وبحث علمي أقوى، وحفظ للمخطوطات، وحماية للمدن التاريخية، وتأهيل للشباب، ودعم للصناعات الثقافية، وتنمية للسياحة الثقافية والبيئية، وصيانة للموارد الطبيعية، فإن الغاز يمكن أن يصبح أكثر من مورد للتصدير؛ يمكن أن يصبح أداة لبناء مستقبل أكثر تنوعاً واستدامة.

وعند هذه النقطة تتضح الصلة بين الثروات القديمة والموارد الجديدة. فقد حافظت المحظرة على المعرفة، وحملت المخطوطات ذاكرة العلم، وشهدت المدن القديمة على تاريخ القوافل والثقافة، وحفظت الثقافة ملامح الهوية، بينما ظلت الطبيعة جزءاً من شخصية المكان.

وهذه كلها ليست بقايا من الماضي، بل مقدرات يمكن أن تشارك في صناعة المستقبل.

لذلك لا تحتاج موريتانيا إلى الاختيار بين التراث والتنمية، ولا بين الذاكرة والحداثة. ما تحتاجه هو أن تجعل المستقبل امتداداً واعياً لماضيها، وأن تنظر إلى مقدراتها التراثية والثقافية والطبيعية باعتبارها جزءاً من ثروتها الوطنية.

وعندها يصبح الانتقال من وهج المحظرة إلى ضوء الغاز انتقالاً في الوسائل، لا قطيعة مع القيم.

فالضوء الحقيقي للغاز ليس ما يضيء منصات البحر وحدها، وإنما ما يضيء مدرسة، ويحفظ مخطوطاً، ويعيد الحياة إلى مدينة تاريخية، ويفتح أمام شاب باباً للعمل، ويحمي محمية طبيعية، ويمنح الثقافة الموريتانية فرصة جديدة للوصول إلى العالم.

تلك هي الثروة التي تستحق أن تُدار: إنسان يعرف ماضيه، ويحسن إدارة حاضره، ويملك القدرة على صناعة مستقبله.

انواكشوط، في 30 أغسطس 2026

أحمدو محمد أحمد إياهي
رئيس تحرير موقع وكالة وطني للأنباء المستقلة

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

رتل القرآن الكريم

إعلان

إعلان

فيديو

الجريدة

إعلان